الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
170
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 131 ] ، فنار عقاب عصاة المؤمنين نار مخالفة أو أنها أعدت للكافرين . وإنما دخل فيها من أدخل من المؤمنين الذين ظلموا أنفسهم لاقترافهم الأعمال السيئة التي شأنها أن تكون للكافرين . وقدم المجرور في لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ على المسند إليه للتشويق إلى ذكر المسند إليه حتى إذا سمعه السامعون تمكن من نفوسهم تمام التمكن . وجملة لا يُقْضى عَلَيْهِمْ بدل اشتمال من جملة لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ ، والقضاء : حقيقته الحكم ، ومنه قضاء اللّه حكمه وما أوجده في مخلوقاته . وقد يستعمل بمعنى أماته كقوله تعالى : فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ [ القصص : 15 ] . وهو هنا محتمل للحقيقة ، أي لا يقدر اللّه موتهم ، فقوله : فَيَمُوتُوا مسبب على القضاء . والمعنى : لا يقضى عليهم بالموت فيموتوا ، ومحتمل للمجاز وهو الموت . وتفريع فَيَمُوتُوا على هذا الوجه أنهم لا يموتون إلّا الإماتة التي يتسبب عليها الموت الحقيقي الذي يزول عنده الإحساس ، فيفيد أنهم يماتون موتا ليس فيه من الموت إلّا آلامه دون راحته ، قال تعالى : وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ [ الزخرف : 77 ] وقال تعالى : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ [ النساء : 56 ] . وضمير عَذابِها عائد إلى جهنم ليشمل ما ورد من أن المعذبين يعذبون بالنار ويعذبون بالزمهرير وهو شدة البرد وكل ذلك من عذاب جهنم . ووقع كَذلِكَ موقع المفعول المطلق لقوله : نَجْزِي أي نجزيهم جزاء كذلك الجزاء ، وتقدم عند قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً في سورة البقرة [ 143 ] . وجملة كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ تذييل . والكفور : الشديد الكفر ، وهو المشرك . وقرأ الجمهور نَجْزِي بنون العظمة ونصب كُلَّ . وقرأه أبو عمرو وحده يجزى بياء الغائب والبناء للنائب ورفع كُلَّ . [ 37 ] [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 37 ] وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ( 37 ) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ . الضمير إلى الَّذِينَ كَفَرُوا [ فاطر : 36 ] والجملة عطف على جملة لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ